دكتور عبد العزيز الدوري

42

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

والذي أراه هو أنّ التطورات الداخلية في الجزيرة هيأت الظروف - إلى حد ما - لسيادة الإسلام ولو ثبته . وليس معنى ذلك أنّ الإسلام ما جاء حتى رددته الجزيرة ، فإنّ صاحب الرسالة كافح كفاحا خالدا وجاهد وعمل بقوة وصبر عظيمين حتى ثبّت دعوته ، ولكن الظروف مع ذلك كانت من العوامل المساعدة مساعدة أكيدة . ولعلّ الملاحظات التالية توضح ما أريد . فنلاحظ من الناحية الدينية تنوعا في العبادة بين الوثنية من جهة ، والأديان السماوية - وأتباعها قليلون - من جهة أخرى . وفي الوثنية ذاتها نجد مختلف المراحل ، فهناك أثر التوحيد السامي الأول ، وإلى جانبه عبادة الأجرام السماوية التي قد تعود إلى البابليين ، وتقديس الآباء الأولين إلى عبادتهم ، والطوطمية وما تمثل من الاعتقاد بدخول الأرواح المقدسة في الأشجار والجماد كمجاري المياه ، والاعتقاد بالجن والشياطين وعبادة أوثان لا شكل لها وعبادة أصنام مختلفة . ويمكننا أن نلاحظ من الأساطير المختلفة المتصلة بالوثنية ما يوحي أنّ الناس كانوا يشعرون بأنها مستقاة إمّا من وادي الرافدين ، أو من الشام ، أو أنها تطور للطوطمية . ثمّ نشاهد تسرّب بعض الشعائر والآراء من المسيحية واليهودية ، وخاصة في منطقة شمالي الجزيرة والقسم الغربي والجنوبي منها . ونلاحظ بعض اتجاهات دينية مشتركة لدى عرب الشمال وعرب الجنوب كظهور ثالوث من الآلهة . وأهم من ذلك ظهور اتجاه في الجنوب نحو التوحيد وذكر إله أعلى ، فنجد ( إل ، إله ) يوصف ب ( العلي ) ، ويطلق عيه ( رحمانان ) و ( الرحمن ) . ظهر هذا التطور مستقلا عن المسيحية واليهودية ، ويحتمل أنه تسرب إلى الحجاز . ونحس بتطور في الوثنية من انفراد كل قبيلة بإلهها إلى شيوع تقديس بعض الآلهة . ويتلو ذلك تدرّج عند بعض القبائل إلى الشعور بوجود إله أعلى من الأوثان والأصنام المتعددة أطلقوا عليه اسم اللّه ، وتقديس بيته المشرف وهو الكعبة ، فصارت لها الطقوس والشعائر الخاصة التي وصلت إلى ذروتها في الحج ، وجعلوا الأصنام وسيطة بينهم وبين اللّه وشافية . وهكذا حصل تطور في العقائد والمستوى الديني في اتجاه التوحيد . يضاف إلى ذلك الاتصال ببعض العقائد المتعلقة بالأديان السماوية مما ولد شعورا لدى بعضهم بعدم مناسبة الوثنية لتفكيرهم . بل لقد أدى لدى نفر منهم إلى ثورة فكرية على الوثنية . هؤلاء هم الأحناف ، ويسترعي انتباهنا ظهورهم قبيل الدعوة الإسلامية . وكلمة « حنفية » سامية ، وهي ذات تاريخ غامض ، وقد استعملت قبل الإسلام ضد ( الوثنية ) وتشير إلى الخروج على الشرك والاتجاه نحو التوحيد . وقد أوضح القرآن أن الحنفية هي التوحيد الأول ، وإنها دين إبراهيم الذي جاء الإسلام ليبعثه . ولكن هذه الحركة لم تكن عامة ، وربما كانت في الحجاز أقوى منها في أية